دين

متى نزلت سورة الفتح


متى نزلت سورة الفتح

سبب نزول سورة الفتح  وربما يعود هذا إلى كون سورة الفتح من المثاني التي أُوتيها النبي – صلى الله عليه وسلم-، إذ قال: «أُعطِيتُ مكانَ التَّوراةِ السَّبعَ الطّوالَ، وأُعطِيتُ مكانَ الزَّبورِ المئِينَ، وأُعطِيتُ مكانَ الإنجيلِ المثانيَ، وفُضِّلْتُ بالمفَصَّلِ»، كما تعد سورة الفتح من أحب السور إلى قلب النبي؛ فقد وصف نزولها عليه بأنها أحب إليه من الدنيا وما فيها، وسورة الفتح من السور المدنية؛ إذ  نزلت على النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما رجع مع أصحابه من الحديبية، ويبلغ عدد آياتها 29 آية، وكان نزولها قبل نزول سورة التوبة ، وبعد نزول سورة الصف، وتقع  في الترتيب 48 في المصحف العثماني.


سبب تسمية سورة الفتح:

سميت سورة الفتح بهذا الاسم لِما تضمنته من ذكر الفتح الذي تحقق للنبي -عليه الصلاة والسلام- والمسلمين بعد الذي اعتراهم يوم الحديبية من منع المشركين لهم من أداء المناسك، وقد وردت تسمية سورة الفتح على لسان الصحابة -رضي الله عنهم-، ولم يُعرف لها اسمٌ آخرٌ، وتعددت الروايات والأحاديث التي ورد فيها ذكر سورة الفتح، منها ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن الصحابي عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه- أنّه قال: «رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ فَتْحِ مَكَّةَ علَى ناقَتِهِ، وهو يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ يُرَجِّعُ، وقالَ: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْتُ كما رَجَّعَ».
كما رُوي عن سهل بن حنيف يوم صفّين حين قام بين الناس وقال: «اتَّهِمُوا أنْفُسَكُمْ فَلقَدْ رَأَيْتُنَا يَومَ الحُدَيْبِيَةِ -يَعْنِي الصُّلْحَ الذي كانَ بيْنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُشْرِكِينَ- ولو نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ فَقالَ: ألَسْنَا علَى الحَقِّ وهُمْ علَى البَاطِلِ؟ أليسَ قَتْلَانَا في الجَنَّةِ، وقَتْلَاهُمْ في النَّارِ؟ قالَ: بَلَى، قالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا ونَرْجِعُ، ولَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بيْنَنَا، فَقالَ: يا ابْنَ الخَطَّابِ، إنِّي رَسولُ اللَّهِ ولَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أبَدًا، فَرَجَعَ مُتَغَيِّظًا فَلَمْ يَصْبِرْ حتَّى جَاءَ أبَا بَكْرٍ فَقالَ: يا أبَا بَكْرٍ ألَسْنَا علَى الحَقِّ وهُمْ علَى البَاطِلِ؟ قالَ: يا ابْنَ الخَطَّابِ إنَّه رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ».

تفسير سورة الفتح:

ورد في كتاب الدر المنثور في التفسير المأثور للإمام السيوطي تفسير سورة الفتح، وأبرز ما جاء فيها:
قوله – تعالى- في مستهل سورة الفتح مخاطبًا نبيه: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا): سمى الله – عز وجل- صلح الحديبية فتحًا مبينًا؛ للآثار العظيمة التي ترتبت عليه من دخول عددٍ كبيرٍ من الناس إلى الإسلام، وبالتالي ظهرت رسالة الإسلام وعَلا شأن المسلمين، وقد اعتبر أنس بن مالك -رضي الله عنه- صلح الحديبية هو الفتح، وروى الإمام البخاري عن البراء بن عازب أنه قال: «تَعُدُّونَ أنْتُمُ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وقدْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَومَ الحُدَيْبِيَةِ، كُنَّا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أرْبَعَ عَشْرَةَ مِئَةً، والحُدَيْبِيَةُ بئْرٌ، فَنَزَحْنَاهَا فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ ذلكَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأتَاهَا، فَجَلَسَ علَى شَفِيرِهَا ثُمَّ دَعَا بإنَاءٍ مِن مَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ ودَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا، فَتَرَكْنَاهَا غيرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ إنَّهَا أصْدَرَتْنَا ما شِئْنَا نَحْنُ ورِكَابَنَا».
قال تعالى: (لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا): تحمل النبي في سبيل إتمام صلح الحديبية الكثير من المشاق والمتاعب، لذلك أكرمه الله بمغفرة ما تقدم وتأخر من ذنوبه، وبإظهار الدين والهداية إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه، وممّا ورد في تفسير الآية السابقة ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن المغيرة بن شُعبة -رضي الله عنه- أنّه قال: (أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى حتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ، فقِيلَ له: أَتَكَلَّفُ هذا؟ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، فَقالَ: أَفلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا).
قال تعالى: (وَيَنصُرَكَ اللَّـهُ نَصْرًا عَزِيزًا): النصر الذي تحقّق للمسلمين في صلح الحديبية تمثلت فيه كل معاني العزة دون أي ضعفٍ، وروى ابن المنذر عن ابن جريج  أن المقصود بالنصر العزيز فتح مكة وخيبر والطائف.
قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّـهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا): اطمأنّت قلوب المؤمنين بصلح الحديبية بما أنزله الله عليهم من السكينة إضافةً إلى الإيمان واليقين الراسخ في قلوبهم، كما بيّن الله أنّ له جنودًا يسخّرها لنصرة أوليائه، وتمكين دينه، وهو العالم بمصالح عباده، ويدبّر أمورهم وفق حكمته وإرادته، وذكر ابن المنذر وابن جرير  والبيهقي  في الدلائل والطبراني  وابن مردويه  عن ابن عباس أن الله -تعالى- قد بعث نبيّه بشهادة التوحيد، ثمّ أمرهم بالصلاة، ثمّ بالزكاة، ثمّ بالصيام، ثمّ بالحج، وختم بالجهاد، فكان التوحيد أوثق وأكمل معاني الإيمان.
قال تعالى: (لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّـهِ فَوْزًا عَظِيمًا): بين الله بعض الثمار المترتبة على الفتح، منها: رضاه عن عباده المؤمنين ودخولهم الجنات التي أعدّها لهم والتي وصفها بجريان الأنهار من أسفلها، كما يمن الله عليهم بمغفرة سيئاتهم ووقايتهم من العذاب، وقد رُوي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّه قال: (نزلَت على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ مرجعَهُ منَ الحديبيةِ فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ لقد نزَلت عليَّ آيةٌ أحبُّ إليَّ ممَّا على الأرض).
 قال تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّـهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا):  بين الله -تعالى- مصير المنافقين والمشركين الذي ظنوا بالله ظن السوء، واعتقدوا بأنّه لن يُظهر الدين الذي ابتعث به نبيّه محمدًا، وبأنّه لن ينصر نبيه، فكانت عاقبتهم دخول نار جهنّم والطرد من رحمة الله.
قال تعالى: (وَلِلَّـهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا):  أعد الله -تعالى- جنودًا لا يعلمها إلّا هو لتأييد أوليائه المؤمنين، والله القوي صاحب الحكمة البالغة في الأمر والتدبير.
قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا):  بين الله -تعالى- الهدف من إرسال محمدٍ -عليه الصلاة والسلام- الذي تمثّل بإقامة الحُجّة على العباد، وبيان أحكام الدين لهم، وتبشيرهم بالجنة والمآل الحسن إن أطاعوا الله واستقاموا على أمره، وينذرهم العذاب والعقاب الآجل والعاجل إن عصوا الله وأضلّوا سبيل الحق.
قال تعالى: (لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا): فمن أهداف رسالة الإسلام تحقيق الإيمان بالله ورسوله في القلوب ونصرة الدين، وتعظيم الله في النفوس، وذكر ابن جرير وابن أبي حاتم  وابن المنذر عن ابن عباس أنّ المقصود من لفظ: “تعزّروه” أي: إجلال الله سبحانه، ولفظ: “توقّروه” يُقصد به تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّـهَ يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّـهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا):  وصف الله -تعالى- بيعة المسلمين لنبيّهم يوم الحديبية على القتال بأنّها مبايعةٌ لله سبحانه، فالغاية منها بلوغ رضى الله ودخول جنته، وبيّن الله أنّه معهم ويعلم ما يخفونه في أنفسهم وما يظهرونه، ومن تحلّل من تلك المبايعة فهو في الحقيقة يجني على نفسه بما سيناله من العذاب، أمّا من أوفى بالمبايعة وصبر على جهاد الأعداء وقتالهم فيكون قد نال الأجر العظيم من الله سبحانه.
قال تعالى: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّـهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا): بين الله -سبحانه- حال المنافقين من الأعراب الذين طلبوا من النبي المغفرة على تخلّفهم عن نُصرة الدين وقتال المشركين بسبب ما احتجوا به من الانشغال بالأموال والأهل، إلا أن الرسول بين لهم بأن الله لا يُردأمره ولا يُمنع قضاؤه، فهو سبحانه يعلم ما تُخفيه النفوس.
                     
السابق
ما هو نظام سويفت ويكيبيديا
التالي
كم تبعد روسيا عن اوكرانيا

اترك تعليقاً