سؤال وجواب

ماسبب تصنيف الامام البخاري لكتابه الجامع الصحيح ( وش السبب )

ما هو سبب تصنيف الامام البخاري لكتابه الجامع الصحيح

صحيح مسلم هو أحد أهم كتب الحديث النبوي عند المسلمين من أهل السنة والجماعة، ويعتبرونه ثالث أصحّ الكتب على الإطلاق بعد القرآن الكريم ثمّ صحيح البخاري ويعتبر كتاب صحيح مسلم أحد كتب الجوامع وهي ما تحتوي على جميع أبواب الحديث من عقائد وأحكام وآداب وتفسير وتاريخ ومناقب ورقاق وغيرها.

جمعه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، وتوخّى فيه ألا يروي إلا الأحاديث الصحيحة التي أجمع عليها العلماء والمحدّثون، فاقتصر على رواية الأحاديث المرفوعة وتجنّب رواية المعلّقات والموقوفات وأقوال العلماء وآرائهم الفقهية، إلا ما ندر، أخذ في جمعه وتصنيفه قرابة خمس عشرة سنة، وجمع فيه أكثر من ثلاثة آلاف حديث بغير المكرر، وانتقاها من ثلاثمائة ألف حديث من محفوظاته.

نبذة عن المؤلف

هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزبَه(2) الجعفي البخاري. من أهم علماء الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل والعلل عند أهل السنة والجماعة، وأحد كبار الحفّاظ(3) الفقهاء ولد في بخارى ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة 194 هـ، الموافق 20 يوليو 810 م. وتربّى في بيت علم حيث كان أبوه من العلماء المحدّثين الراحلين في طلب الحديث، وتوفّي والإمام البخاري صغير فنشأ البخاري يتيماً في حجر أمه، وطلب العلم منذ صغره فدخل الكتّاب صبيّاً وأخذ في حفظ القرآن الكريم وأمهات الكتب المعروفة في زمانه، حتى إذا بلغ العاشرة من عمره، بدأ في حفظ الحديث، والاختلاف إلى الشيوخ والعلماء، وملازمة حلقات الدروس، ثم حفظ كتب عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وهو ابن ست عشرة. رحل في أرجاء العالم الإسلامي رحلة طويلة للقاء الشيوخ وطلب الحديث فزار أكثر البلدان والأمصار الإسلامية في ذلك الزمان للسماع من علمائها فسمع من قرابة ألف شيخ، وجمع حوالي ستمائة ألف حديث.

  • قال فيه شيخه محمد بن عبد الوهّاب الفراء: «كان مسلم من علماء الناس وأوعية العلم».
  • وقال ابن الصلاح: «فرفعه الله تبارك وتعالى إلى مناط النجوم، وصار إماماً حجّة، يبدأ ذكره ويعاد في علم الحديث وغيره من العلوم».
  • وقال أحمد بن سلمة: «رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما».
  • وقال النووي: «هو أحد أعلام أئمة هذا الشأن، وكبار المبرزين فيه، وأهل الحفظ والإتقان، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان، والاعتراف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان» وغير ذلك كثير.

توفي الإمام مسلم بن الحجاج في نيسابور عشية يوم الأحد الخامس والعشرين من رجب عام 261 هـ عن عمر يناهز خمسًا وخمسين سنة وترك العديد من المؤلفات أغلبها في علوم الحديث، وصلنا بعضها ولا يزال بعضها مفقوداً، ومن أهم مؤلفاته المطبوعة:

  • كتاب الصحيح.
  • التمييز.
  • الكنى والأسماء.
  • المنفردات والوحدان.
  • الطبقات.

اسم الكتاب ووصفه ومنهجه

اسم الكتاب

لم ينص الإمام مسلم -في كتابه الصحيح- على تسميته ولذلك وقع الاختلاف في اسمه، فذُكرت له عدة تسميات:

  • الجامع: ذكره الفيروزآبادي وابن حجر العسقلاني وحاجي خليفة والقنوجي وغيرهم .
  • المسند أو المسند الصحيح: هكذا سمّاه الإمام مسلم، ونصّ على هذا خارج كتاب الصحيح، فقال: «ما وضعت شيئا في كتابي هذا المسند إلا بِحُجّة.»، وقال: «لو أَنَّ أهل الحديث يكتبون الحديث مائتي سنة فمدارهُم على هذا المسند.» وقال: «صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاث مائة ألف حديث مسموعة.»
  • المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: به سمّاه ابن خير الإشبيلي ونحوه التجيبي ولكن يُرجَّح على أنه وصف للكتاب لا اسم له.
  • الصحيح أو صحيح مسلم: وذكره بهذا الاسم ابن الأثير والنووي وابن خلكان والذهبي وابن كثير وغيرهم، وهو أشهر الأسماء، وغلبت هذه التسمية وشاعت في كتب التفسير والحديث والفقه وغيرها حتى قال السمعاني: «المشهور كتابه الصحيح في الشرق والغرب.» 

نسبته للمؤلف

تواتر عن مسلم بن الحجاج نسبة الجامع الصحيح له. فالعلم القاطع حاصل بأنه من تصنيفه حيث اتصلت الروايات بالإِسناد إليه، وانتقل صحيح الإمام مسلم إلى العلماء بالسماع، أو القراءة، أو المناولة، أو الإجازة جيلًا بعد جيل، فثبتت نسبة الكتاب إلى مؤلفه، قال النووي: «صحيح مسلم رحمه الله في نهاية من الشهرة وهو متواتر عنه من حيث الجملة فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبى الحسين مسلم بن الحجاج» وقال السخاوي: «وهو -أعني الصحيح- تامّ الشهرة عن مصنّفه فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيفه من حيث قوة الشهرة التي يؤمَن معها التواطؤ على الباطل.»، ولم يرد شك أو خلاف بين المؤرخين والمحققين على ثبوت نسبة الكتاب إلى مسلم بن الحجاج، وقد دل على ذلك أمور عديدة أهمها:

  • شهرة الكتاب واستفاضة ذكره بين العلماء المختصين بهذا الشأن قديماً وحديثاً.
  • عزو الكتاب إلى المؤلف في جميع المخطوطات الموجودة للكتاب.
  • وجود أسانيد رواة الكتاب إلى المؤلف وإثباتها على النسخ الخطية.
  • النقل والاستفادة من الكتاب ونسبة الكتاب لمؤلفه عند علماء الإسلام الذين جاؤوا بعده وصنفوا الكتب في هذا العلم.

نسبته للمصنّف

لم يرد شكّ عند العلماء والمؤرخين في نسبة كتاب الجامع الصحيح لمصنّفه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، حيث ثبت ذلك من عدّة وجوه منها أن جمعاً غفيراً من الناس وصل عددهم لعشرات الآلاف سمعوا الكتاب من البخاري نفسه، فروى الخطيب البغدادي عن محمد بن يوسف الفربري أحد أكبر تلاميذ البخاري أنه قال: «سمع الصحيح من البخاري معي نحوٌ من سبعين ألفاً.» وروي أن عدد من سمع منه كتابه الصحيح بلغ تسعين ألفاً. وحدّث تلاميذ البخاري بالكتاب ونقلوه عنه واتصلت رواية الكتاب سماعاً وقراءةً ونَسخاً بالأسانيد المتّصلة منذ زمن البخاري إلى الزمن المعاصر فتواترت نسبة الكتاب لمصنّفه. بالإضافة إلى عدد من الأمور التي تُثبت صحّة نسبة الكتاب لمصنّفه، منها:

  • استفاضة ذكره بين العلماء المختصين بهذا الشأن قديماً وحديثاً.
  • عزو الكتاب إلى مصنّفه في جميع المخطوطات الموجودة للكتاب.
  • وجود أسانيد رواة الكتاب إلى المؤلف وإثباتها على النسخ الخطية.
  • النقل والاستفادة من الكتاب ونسبة الكتاب لمؤلفه عند علماء الإسلام الذين عاصروه وجاؤوا بعده وصنفوا الكتب في هذا العلم.

سبب تصنيف الامام البخاري لكتابه الجامع الصحيح

ذكر المؤرخون أن الباعث للبخاري لتصنيف الكتاب أنه كان يوماً في مجلس عند إسحاق بن راهويه فقال إسحاق: «لو جمعتم كتابا مختصراً لصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم.» فوقع هذا القول في قلب البخاري فأخذ في جمع الكتاب، ورُوي عن البخاري أنه قال: «رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، كأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذبّ عنه، فسألت بعض المعبرين فقال: إنك تذبّ عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الصحيح». فرجّح بعض العلماء أن طلب إسحاق بن راهويه كان أولاً ثم جاءه المنام فأكّد ذلك عزم البخاري على تصنيف الكتاب.

كم عدد أحاديث صحيح البخاري

  • قول ابن الصلاح والنووي: أن عدد أحاديثه (7275) حديثاً، وبدون المكرر أربعة آلاف.
  • قول ابن حجر: إنه بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات (7397) حديثاً، والخالص من ذلك بلا تكرار (2602) حديثاً، وإذا أضيف إلى ذلك المتون المعلقة المرفوعة وهي (159) حديثاً فمجموع ذلك (2761)، وعدد أحاديثه بالمكرر والتعليقات والمتابعات واختلاف الروايات (9082) حديثاً، وهذا غير ما فيه من الموقوف على الصحابة والتابعين.
  • عدد الأحاديث المعلقة (1341)، وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا (159) حديثاً معلقاً.

شروح الكتاب

صفحة من مخطوط إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم لأبي عبد الله محمد بن خليفة الأبّي المالكي. يرجع تاريخ نسخها إلى عام 878 هـ/ حوالي 1473 م.

صفحة من إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبّي. طبعة مكتبة السعادة عام 1328 هـ/ حوالي 1910 م.

أُلّف في شرح صحيح مسلم عدد كبير جداً من المؤلفات وصل عددها قرابة 64 شرحاً بالعربية وخمسة بغير العربية[79]، من أهمّ هذه الشروح وأشهرها:[80][81]

  • المعلم بفوائد كتاب صحيح مسلم: لأبي عبد الله محمد بن علي المازري، المتوفى عام 536 هـ.
  • إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم: للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المالكي، المتوفى عام 544 هـ.
  • المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي المتوفى عام 611 هـ.
  • المنهاج في شرح الجامع الصحيح للحسين بن الحجاج: للإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي، المتوفى عام 676 هـ. وهو أشهر شروح صحيح مسلم.
  • إكمال إكمال المعلم: لأبي عبد الله محمد بن خليفة الأبي المالكي، المتوفى عام 728 هـ، جمع في شرحه بين المازري وعياض والقرطبي والنووي.
  • مكمّل إكمال الكمال: لمحمد بن يوسف السنوسي، المتوفى عام 795 هـ.
  • الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: لجلال الدين السيوطي المتوفى عام 911 هـ.
  • شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي المتوفى 926 هـ.
  • شرح الشيخ علي القاري الهروي الحنفي المتوفى عام 1016 هـ.
  • السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج: لصديق حسن خان القنوجي، المتوفى عام 1307 هـ.
  • منة المنعم شرح صحيح مسلم: لصفي الرحمن المباركفوري، المتوفى عام 1362 هـ.
  • فتح الملهم بشرح صحيح مسلم: لشبير أحمد العثماني الديوبندي، المتوفى عام 1369 هـ.
  • تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم: لمحمد تقي العثماني.
  • فتح المنعم شرح صحيح مسلم: لموسى شاهين لاشين.
  • الكوكب الوهاج والروض البهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج: لمحمد أمين بن عبد الله الهرري الأثيوبي.

المستدركات

حيث أن مسلماً لم يخرج في الكتاب كلّ الأحاديث الصحيحة فقد استدرك عليه جماعة من العلماء، ومن هذه المستدركات:[80][81]

  • الإلزامات: لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، المتوفى عام 385 هـ.
  • المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري، المتوفى عام 405 هـ.
  • المستخرج على الإلزامات: لأبي ذر عبد بن أحمد الهروي، المتوفى عام 434 هـ.

المستخرجات

وقام عدد من العلماء بتصنيف المستخرجات على الكتاب، والمستخرج هو أن يأتي أحد العلماء ويروي أحاديث الكتاب بأسانيده هو لنفسه من غير طريق المؤلف، ومن هذه المستخرجات :

  • المسند الصحيح: لأبي بكر محمد بن محمد بن رجاء النيسابوري، المتوفى عام 286 هـ. وهو من معاصري الإمام مسلم ويشاركه في أكثر شيوخه.
  • مستخرج أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري البزّار، المتوفى عام 286 هـ.
  • مستخرج أبي جعفر أحمد بن حمدان الحيري، المتوفى عام 311 هـ.
  • مستخرج أبي الوليد حسّان بن محمد القرشي الفقيه الشافعي، المتوفى عام 344 هـ.
  • مستخرج أبي حامد أحمد بن محمد الشاركي الهروي، المتوفى عام 350 هـ.
  • مستخرج أبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان الأصبهاني، المتوفى عام 369 هـ.
  • مستخرج أبي بكر محمد بن عبد الله الجوزقي الشافعي، المتوفى عام 388 هـ.
  • المستخرج على صحيح مسلم: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، المتوفى عام 430 هـ.

الجمع بين الصحيحين[عدل]

وصنّف عدد من العلماء كتباً قاموا فيها بجمع الأحاديث التي اتفق على روايتها الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما، ومن هذه الكتب:[80][81]

  • الجمع بين الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الجوزقي، المتوفى عام 388 هـ.
  • الجمع بين الصحيحين: لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح الحميدي، المتوفى عام 466 هـ.
  • الجمع بين الصحيحين: لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي، المتوفى عام 582 هـ.
  • الجمع بين الصحيحين مع حذف السند والمكرر من البين: لأبي حفص عمر بن بدر بن سعيد، ضياء الدين الكردي الحنفي، المتوفى عام 622 هـ.
  • اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: لمحمد فؤاد عبد الباقي، المتوفى عام 1388 هـ.

المختصرات

وقام عدد من العلماء باختصار الكتاب بحذف الأسانيد وعزو الحديث إلى الصحابي مباشرة، أو حذف الأحاديث المكررة في الباب، ومن هذه المختصرات:

  • مختصر صحيح مسلم: لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت، المتوفى عام 524 هـ.
  • مختصر صحيح مسلم: لأبي العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي، المتوفى عام 656 هـ.
  • مختصر صحيح مسلم: لأبي محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، المتوفى عام 656 هـ.
  • مختصر صحيح مسلم: لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، المتوفى عام 679 هـ.
  • مختصر صحيح مسلم: لمحمد ناصر الدين الألباني، المتوفى عام 1420 هـ.

رجال الصحيح

كما اعتنى العلماء بدراسة أحوال وتراجم الرواة الذين أخرج عنهم الإمام مسلم في صحيحه، من شيوخه وشيوخ شيوخه وصولاً إلى التابعين والصحابة، ومن هذه الكتب:

  • رجال صحيح مسلم: لأبي بكر أحمد بن منجويه الأصبهاني، المتوفى عام 428 هـ.
  • المنهاج في رجال مسلم بن الحجاج: لعبد الله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي، المتوفى عام 522 هـ.
  • رجال مسلم بن الحجاج: لأبي العباس أحمد بن طاهر الأنصاري الداني، المتوفى عام 532 هـ.
  • تسمية رجال صحيح مسلم الذين انفرد بهم مسلم عن البخاري: لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، المتوفى عام 748 هـ.
  • أسماء رجال مسلم: لعبد الله الطيب بن عبد الله بامخرمة، المتوفى عام 947 هـ.
  • خلاصة القول المفهم على تراجم جامع الإمام مسلم: لمحمد أمين بن عبد الله الهرري.

المآخذ على الكتاب

على الرغم من مكانة الكتاب المتقدمة وإجماع العلماء على أنه ثاني أصح الكتب المصنفة في الحديث بعد صحيح البخاري، إلا أنهم بيّنوا أن هذا ليس معناه أصحيّة كل حديث فيه بالنسبة لما سواه، بل أصحيّة الجملة إلى الجملة، كما هو الحال في تفضيل صحيح البخاري على صحيح مسلم، فليس المقصود منه أن كلّ حديث في صحيح البخاري أصحّ من كلّ حديث في صحيح مسلم، بل أن جملة ما في صحيح البخاري أصحّ. وعلى هذا فلا يستدلّ بكون حديث معيّن في الصحيحين أصحّ من سائر الصحاح إلا بعد تبيّن وجوه الأصحيّة في ذلك الحديث بعينه.

قال الألباني: «وليس معنى ذلك أن كل حرف أو لفظة أو كلمة في الصحيحين هو بمنزلة ما في القرآن لا يمكن أن يكون فيه وهم أو خطأ في شيء من ذلك من بعض الرواة، كلا. فلسنا نعتقد العصمة لكتاب بعد كتاب الله تعالى أصلا، فقد قال الإمام الشافعي وغيره: “أبى الله أن يتم إلا كتابه”، ولا يمكن أن يدعي ذلك أحد من أهل العلم ممن درسوا الكتابين دراسة تفهم وتدبر مع نبذ التعصب، وفي حدود القواعد العلمية الحديثة، لا الأهواء الشخصية، أو الثقافة الأجنبية عن الإسلام وقواعد علمائه.»

وقد كان لبعض العلماء مآخذ وانتقادات على الكتاب، قال النووي: «قد استدرك جماعة على البخارى ومسلم أحاديث أخلا بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه» وعقّب ابن حجر العسقلاني: «ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى. وهي ما ادعاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه. فإن هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب. وقد تعرض لذلك بن الصلاح في قوله: إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره»، وقال عبد الرحمن المباركفوري: «أخرج مسلم عن بعض الضعفاء ولا يضره ذلك، فإنه يذكر أولاً الحديث بأسانيد نظيفة ويجعله أصلاً، ثم يتبعه بإسناد أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد.» وقال ابن تيمية: «ومما قد يسمى صحيحا ما يصححه بعض علماء الحديث وآخرون يخالفونهم في تصحيحه فيقولون: هو ضعيف ليس بصحيح مثل ألفاظ رواها مسلم في صحيحه ونازعه في صحتها غيره من أهل العلم.» وقال: «جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه. بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها وكان الصواب فيها مع من نازعه.» وعلّق الشيخ عبد العزيز بن باز: «وإذا كان في بعض الرجال المخرج لهم في الصحيحين ضعف فإن صاحبي الصحيح قد انتقيا من أحاديثهم ما لا بأس به، مثل: إسماعيل بن أبي أويس، ومثل عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجماعات فيهم ضعف لكن صاحبي الصحيح انتقيا من أحاديثهم ما لا علة فيه؛ لأن الرجل قد يكون عنده أحاديث كثيرة فيكون غلط في بعضها أو رواها بعد الاختلاط إن كان ممن اختلط، فتنبه صاحبا الصحيحين لذلك فلم يرويا عنه إلا ما صح عندهما سلامته.»

وقال ابن تيمية: «جمهور ما صححاه كان قبلهما عند أئمة الحديث صحيحا متلقى بالقبول، وكذلك في عصرهما وكذلك بعدهما قد نظر أئمة هذا الفن في كتابيهما، ووافقوهما على تصحيح ما صححاه، إلا مواضع يسيرة نحو عشرين حديثا، انتقدها عليهما طائفة من الحفاظ، وهذه المواضع المنتقدة غالبها في مسلم، وقد انتصر طائفة لهما فيها، وطائفة قررت قول المنتقدة، والصحيح التفصيل، فإن فيها مواضع منتقدة بلا ريب.»

وفصّل الحافظ ابن حجر العسقلاني في توضيح هذه الانتقادات فقال: «وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما:

  • القسم الأول منها: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد ، فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة ، وعلله الناقد بالطريق الناقصة ، فهو تعليل مردود …وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف …فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ماله متابع وعاضد ، أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه ، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع.
  • القسم الثاني منها: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد … فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح ، إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف فينبغي الإعراض أيضا عما هذا سبيله .
  • القسم الثالث منها: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها : فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع ، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا ، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته ، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر.
  • القسم الرابع منها: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله ، فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحا ، ومنه ما لا يؤثر .
  • القسم الخامس منها: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن ، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك ، أو الترجيح ، على أن الدارقطني وغيره من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء ذلك من الكتابين كما تعرضوا لذلك في الإسناد.» إلى أن قال: «ولا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر»

وقد ردّ ابن الصلاح على من انتقد الإمام مسلم في روايته عن بعض الضعفاء أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية فقال: «والجواب أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها:

  • أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده ولا يقال إن الجرح مقدم على التعديل وهذا تقديم للتعديل على الجرح لأن الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسر السبب فأنه لا يعمل به.
  • الثاني: أن يكون ذلك واقعا في الشواهد والمتابعات لا في الأصول وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلا ثم يتبع ذلك بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه.
  • الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سدادة واستقامته.
  • الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده برواية الثقات نازل فيذكر العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفة أهل الشأن بذلك.»[90]

ومن أهم الكتب التي صنّفت في هذا الباب:[80][81]

  • علل الأحاديث في كتاب صحيح مسلم: لأبي الفضل محمد بن أبي الحسين ابن عمار الشهيد، المتوفى عام 317 هـ.
  • التتبع: لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، المتوفى عام 385 هـ.
  • الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج: لأبي مسعود الدمشقي، المتوفى عام 401 هـ.
  • صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط: لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، المتوفى عام 643 هـ.
  • غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة: لأبي الحسين يحيى بن علي المعروف بالرشيد العطار، المتوفى عام 662 هـ.
  • تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم: لأبي ذر أحمد بن إبراهيم بن سبط ابن العجمي، المتوفى عام 884 هـ.
  • الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف وعوالي مسلم: لشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى عام 852 هـ.
  • بين الإمامين مسلم والدارقطني: لربيع بن هادي المدخلي.

النسخ الخطية للكتاب

يوجد لصحيح مسلم عدة نسخ خطية محفوظة في مكتبات العالم، ومنها:

  • نسخة مكتبة الإسكوريال، وهي محفوظة تحت رقم (1007)، وتقع في 294 ورقة، وتاريخ نسخها 559 هـ، وهي نسخة تامّة من بداية الكتاب إلى نهايته، ليس بها سقط أو خرم، كُتبت بخط نسخي مغربي.
  • نسخة مكتبة القرويين، وهي محفوظة تحت رقم (345 / 3ب)، وتقع في 218 ورقة، وتاريخ نسخها 573 هـ، وتعرف هذه النسخة أيضاً بنسخة ابن خير، وهي من أشهر النسخ وأجودها، قال الكتاني: «تعد أعظم أصل موجود من صحيح مسلم في أفريقية.»[91]، وهي نسخة تامّة من بداية الكتاب إلى نهايته، ليس بها سقط أو خرم، كُتبت بخط أندلسي دقيق.
  • نسخة مكتبة كوبرولو، وهي محفوظة تحت رقم (366)، وتقع في 531 ورقة، وتاريخ نسخها 629 هـ، وهي نسخة تامّة من بداية الكتاب إلى نهايته، ليس بها سقط أو خرم، كُتبت بخط النسخ ومضبوطة ضبطاً كاملاً.
  • نسخة المكتبة العمرية، وهي محفوظة تحت رقم (9388)، وتقع في 174 ورقة، ولا يعرف تاريخ نسخها، إلا أن عليها سماعات قديمة أقدمها بتاريخ 461 هـ، وهي نسخة ناقصة بعض الأجزاء، كُتبت بخط النسخ.
  • نسخة مكتبة جامعة برنستون، وهي محفوظة تحت رقم (104/589)، وتقع في 431 ورقة، وتاريخ نسخها 559 هـ، وهي نسخة ناقصة حوالي نصف الكتاب، كُتبت بخط مغربي.
  • نسخ جامعة الملك سعود وهي عديدة، فمنها:
    • نسخة محفوظة تحت رقم (4741) وتقع في 274 ورقة وتاريخ نسخها 812 هـ، وهي نسخة جيدة كُتبت بخط النسخ.
    • نسخة محفوظة تحت رقم (288) وتقع في 181 ورقة وتاريخ نسخها 791 هـ، وهي نسخة جيدة كُتبت بخط نسخ معتاد.
    • نسخة محفوظة تحت رقم (2468) وتقع في 361 ورقة وتاريخ نسخها حوالي 800 هـ، وهي نسخة جيدة كُتبت بخط النسخ، ناقصة الأول والآخر وبها تمزيق.

طبعات الكتاب

توجد لصحيح مسلم طبعات كثيرة جداً قديماً وحديثاً، فمن أهمّ وأشهر الطبعات القديمة:

  • طبعة كلكتة، الهند عام 1265 هـ، وقام بتحقيقها بديع الزمان بن محمد البردراني.
  • طبعة المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق بالقاهرة عام 1290 هـ، وتقع في جزئين.
  • طبع مع شرح النووي في دلهي بالهند عام 1319 هـ، وتقع في جزأين.
  • طبع في تركيا بالآستانة عام 1320 هـ، وتقع في ثمانية أجزاء.
  • طبع بهامش إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري للقسطلاني في المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق عام 1323 هـ، وهي طبعة متقنة.
  • طبع في القاهرة بالمطبعة الميمنية عام 1327 هـ، وتقع في أربعة أجزاء ومجلدين.
  • طبع مع شرح الأُبي المسمى (إكمال إكمال المعلم) في مطبعة السعادة بمصر عام 1328 هـ، وهي طبعة متقنة.
  • طبع في تركيا بالآستانة بالمطبعة العامرة عام 1330 هـ، وتقع في ثمانية أجزاء وأربعة مجلدات. وتعدّ هذه الطبعة من أجود الطبعات وأوثقها وقد قام محققوها بالاعتماد على عدد من النسخ الخطية وراجعها ودققها جماعة من العلماء. وتعتمد الكثير من الطبعات الحديثة على هذه الطبعة.
  • طبع في القاهرة بمطبعة البابي الحلبي عام 1348 هـ.
  • طبع في دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة عام 1374 هـ بتحقيق محمد فواد عبد الباقي وتقع في أربع مجلدات ومجلد فهارس. وهي من أشهر الطبعات وتعدّ أصلاً للطبعات الجديدة حيث اعتمدت الغالبية العظمى منها على عدّ وترقيم وفهرسة محمد فؤاد عبد الباقي في طبعته.

وأما الطبعات الجديدة فمن أكثرها انتشاراً:

  • طبعة دار النوادر وهي معتمِدة على الطبعة التركية العامرة وتقع في أربعة مجلدات.
  • طبعة دار المعرفة بتحقيق خليل مأمون شيحا وتقع في مجلد واحد.
  • طبعة دار قرطبة بتحقيق نظر الفاريابي وتقع في مجلد واحد.
  • طبعة بيت الأفكار الدولية بتحقيق أبي صهيب الكرمي وتقع في مجلد واحد.
  • طبعة دار التأصيل بتحقيق مركز البحوث التابع للدار وتقع في سبعة مجلدات.
  • طبعة دار الفكر بتحقيق صبحي جميل العطّار وتقع في مجلد واحد. (ولهم طبعة مصوّرة عن الطبعة التركية العامرة في أربعة مجلدات).
  • طبعة جمعية المكنز الإسلامي بتحقيقهم وتقع في مجلدين.
  • طبعة مؤسسة الرسالة ناشرون بتحقيق عز الدين ضلي وعماد الطيار وياسر حسن وتقع في مجلد واحد.
  • طبعة دار المنهاج بتحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر وهي مصوّرة عن الطبعة التركية العامرة وتقع في أربعة مجلدات.

وطبعات أخرى كثيرة جداً.

18.206.76.226, 18.206.76.226 CCBot/2.0 (https://commoncrawl.org/faq/)
السابق
نسبة مساحة الأراضي المزروعة بالأشجار الحرجيّة في المملكة الأردنية الهاشمية ما يقارب ( كم تبلغ ) ؟
التالي
ما يجب على المسلم حين يتعامل مع الاخرين

اترك تعليقاً