منوعات

ربي اني لما انزلت الي من خير فقير

ربي اني لما انزلت الي من خير فقير

خرج موسى‮ ‬عليه السلام من مصر خائفاً‮، ‬بعد أن قتل مصرياً‮، ‬وهو‮ ‬يتلفت خشية أن‮ ‬يدركه أحد من قوم فرعون،‮ ‬وقطع مسافات شاسعة من الطرق الصحراوية وحيداً‮، ‬من دون زاد ولا استعداد في‮ ‬اتجاه مَدْْيَن عبر سيناء،‮ ‬وبعد مشقة لا‮ ‬يتحمّلها إلا القليل من الرجال، وصل إلى حيث لا تمتدّ إليه اليد الباطشة بالسوء‮.‬

ويقول ابن كثير فى كتابه‮ «‬قصص الأنبياء‮»: «‬بعد رحلة طويلة شاقة وصل إلى ماء مدين‮. ‬وصل وهو مجهود مكدود‮. ‬وإذا هو‮ ‬يطّلع على مشهد لا تستريح إليه النفس ذات المروءة،‮ ‬السليمة الفطرة،‮ ‬كنفس موسى‮ – ‬عليه السلام‮ – ‬وجد الرعاة الرجال‮ ‬يوردون دوابهم لتشرب من الماء،‮ ‬ووجد هناك امرأتين تمنعان‮ ‬غنمهما عن ورود الماء‮. ‬والأولى عند ذوي‮ ‬المروءة والفطرة السليمة،‮ ‬أن تسقي‮ ‬المرأتان وتصدرا بأغنامهما أولاً،‮ ‬وأن‮ ‬يفسح لهما الرجال ويعينوهما‮. ‬ولم‮ ‬يقعد موسى الهارب المطارد،‮ ‬المسافر المكدود،‮ ‬ليستريح،‮ ‬وهو‮ ‬يشهد هذا المنظر المنكر المخالف للمعروف وثارت نخوته‮ – ‬عليه السلام‮ – ‬وفطرته السليمة‮. ‬فتقدم لإقرار الأمر في‮ ‬نصابه‮. ‬تقدم ليسقي‮ ‬للمرأتين أولاً،‮ ‬فسقى لهما،‮ ‬ثم ذهب لظلّ شجرة ليستظلّ من قيظ الحر وعناء الرحلة والسقيا، ويناجي‮ ‬ربه ربّ إني‮ ‬فقير‮. ‬ربّ إني‮ ‬وحيد‮. ‬ربّ إني‮ ‬ضعيف‮. ‬ربّ إني‮ ‬إلى فضلك ومنّك وكرمك فقير محتاج،‮ ‬وكأنما السماء تسارع فتستجيب للقلب الضارع الغريب، فجاءه الفرج من عمل بأجر وزواج واستقرار وأمن وأمان‮.‬

الذكر والثناء

وجاء تفسير ابن كثير‮: ‬لقوله تعالى‮: «‬ثمّ تولى إلى الظل فقال ربّ إني‮ ‬لما أنزلتّ إليّ‮ ‬من خير فقير‮» ‬عن ابن عباس‮: «‬سار موسى من مصر إلى مَدْيَن،‮ ‬ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر،‮ ‬وكان حافياً‮ ‬فما وصل مَدْيَن، حتى سقطت نعل قدمه‮. ‬وجلس في‮ ‬الظل وهو صفوة الله من خلقه،‮ ‬وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع،‮ ‬وإن خضرة البقل لَتُرى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شقّ تمرة‮».‬

وقال‮: ‬فالدعاء الذي‮ ‬يتقدمه الذكر والثناء أقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد،‮ ‬فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه،‮ ‬كان أبلغ‮ ‬في‮ ‬الإجابة وأفضل،‮ ‬فإنه‮ ‬يكون قد توسّل إلى المدعوّ بصفات كماله وإحسانه وفضله،‮ ‬وعرض،‮ ‬بل صرح،‮ ‬بشدة حالته وضرورته وفقره ومسكنته،‮ ‬فهذا المقتضى منه وأوصاف المسؤول مقتضى منه،‮ ‬فاجتمع المقتضى من السائل والمقتضى من المسؤول في‮ ‬الدعاء،‮ ‬فكان أبلغ‮ ‬وألطف موقعاً وأتمّ معرفة وعبودية. ‬

وأنت ترى في‮ ‬الشاهد ولله المثل الأعلى أن الرجل إذا توسّل إلى من‮ ‬يريد معروفه بكرمه وجوده وبره،‮ ‬وذكر حاجته هو وفقره ومسكنته،‮ ‬كان أعطف لقلب المسؤول وأقرب إلى قضاء حاجته، من أن‮ ‬يقول له ابتداء أعطني‮ ‬كذا وكذا،‮ ‬فإذا عرف هذا فتأمّل قول موسى عليه السلام‮: «‬ربّ إني‮ ‬لما أنزلت إليّ‮ ‬من خير فقير‮».‬

فرج بعد شدة

وها هي‮ ‬الإجابة السريعة للدعاء ليست طعاماً‮ ‬فقط،‮ ‬بل مأوى وعمل وزوجة،‮ ‬فيقول عزّ من قائل فى كتابه العزيز‮: «‬فجاءته إحداهما تمشي‮ ‬على استحياء قالت إنّ أبي‮ ‬يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فلما جاءه وقصّ عليه القصص قال لا تخفْ نجوتَ من القوم الظالمين،‮ ‬قالت إحداهما‮ ‬يا أبتِ استأجره إن خيرَ من استأجرتَ القويُّ‮ ‬الأمين،‮ ‬قال إنّي‮ ‬أريد أن أنكحك إحدى ابنتي‮ ‬هاتين على أن تأجرني‮ ‬ثمانية حجج، فإن أتممت عشراً‮ ‬فمن عندك وما أريد أن أشقّ عليكَ ستجدني‮ ‬إن شاء الله من الصالحين،‮ ‬قال ذلك بيني‮ ‬وبينك أيّما الأجلين قضيت فلا عدوانَ عليّ‮ ‬واللهُ على ما نقول وكيل‮» (‬سورة القصص الآيات25‮-‬28‮).‬

ويقول د‮. ‬سعيد بن علي‮ ‬بن وهف القحطاني‮ ‬في‮ ‬كتابه‮»‬شرح الدعاء من الكتاب والسنة‮»: «‬إن هذا الدعاء هو من دعوات موسى عليه السلام،‮ ‬التي‮ ‬كثر عنها الحديث في‮ ‬كتاب ربنا، دلالة على أهميتها،‮ ‬والدعوة إلى العناية بها،‮ ‬فهماً،‮ ‬وعلماً،‮ ‬وسؤالاً،‮ ‬ومطلباً،‮ ‬ففيها من الخيرات والمنافع الكثيرة التي‮ ‬تعود على العبد، بما‮ ‬يصلح أموره،‮ ‬وأحواله في‮ ‬الدنيا،‮ ‬ومرجعه في‮ ‬الآخرة،‮ ‬فقد ذكر المفسرون أن موسى عليه السلام لما جهد في‮ ‬السفر،‮ ‬وانقطع عن الأهل،‮ ‬بلغ‮ ‬به الجوع كل مبلغ،‮ ‬ولم‮ ‬يكن معه من الطعام ما‮ ‬يأكله،‮ ‬فعرف أين المقصد،‮ ‬وأين المخرج،‮ ‬فعرف أن المفرّ إلى ربه تبارك وتعالى الذي‮ ‬اعتنى به منذ صغره إلى هذه الحال،‮ ‬عرف ربه في‮ ‬الرخاء،‮ ‬فعرفه في‮ ‬الشدة،‮ ‬فتوسّل إليه بألطف الوسائل‮».‬

أدب نبوي

‮«‬قوله‮: «‬ربّ إني‮ ‬لما أنزلتَ إليّ‮ ‬من خير فقير‮»: ‬ذكر حاله إلى ربه تبارك وتعالى بألطف الكلمات والعبارات،‮ ‬المتضمّن لطلب إنزال الله الخيرات،‮ ‬وهذا من أبلغ‮ ‬الوسائل،‮ ‬وألطفها، لما فيها من حسن الأدب وكمال الطلب‮. ‬وكأني‮ ‬بحاله‮ ‬يقول‮: ‬يا ربّي،‮ ‬إني‮ ‬لما أنزلت إلي‮ّ ‬من فضلك وغناك وخيرك فقير إلى أن تغنيني‮ ‬بك عمّن سواك‮».‬ تضمّنت هذه الدعوة المباركة جملة من الفوائد منها‮: ‬أن الشكوى إلى الله تعالى لا تنافي‮ ‬الصبر،‮ ‬بل من كمال الإيمان بالله تعالى،‮ ‬والرضا بقدره،‮ ‬وعلى الداعي‮ ‬أن‮ ‬يتوسّل إلى الله بأنواع التوسّل المشروعة،‮ ‬وإن ذلك من كمال العبودية التي‮ ‬يحبّها الله،‮ ‬و مشروعية الاستعاذة من الفقر أيضاً‮،‮ ‬وأنها سنة الأنبياء والمرسلين،‮ ‬فقد كان من دعاء رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم‮: «‬اللهمَّ إني‮ ‬أعوذُ بك من الفَقر،‮ ‬والقِلّة،‮ ‬والذّلّة،‮ ‬وأعوذُ بك من أن أَظلم أو أٌظلم‮» (‬أخرجه أبو داود والنسائي‮).‬

ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

‮«‬وقال ربكم ادعوني‮ ‬أستجب لكم‮» (‬سورة‮ ‬غافر‮: ‬الآية‮ ‬60‮)‬،‮ ‬فالدعاء‮ ‬يصل الخلق بالخالق،‮ ‬ويعبر عن إيمان عميق بأن هناك إلهاً‮ ‬قديراً‮ ‬على كل شيء،‮ ‬بيده الأمر كله،‮ ‬يقدم المساعدة لمن‮ ‬يطلبها وفى أي‮ ‬وقت‮. ‬بابه مفتوح لا‮ ‬يغلق في‮ ‬وجه أحد مهما عظم أو صغر، ‬نلجأ إليه في‮ ‬كل وقت وخصوصاً‮ ‬في‮ ‬الشدة‮، ‬ولكن كيف‮ ‬يكون الدعاء؟ فالدعاء له آداب وشروط حتى‮ ‬يتحقق‮، ‬ولن نجد خيراً‮ ‬من الأدعية التي‮ ‬دعا بها الأنبياء،‮ ‬عليهم السلام ربهم،‮ ‬والتي‮ ‬وردت في‮ ‬القرآن الكريم،‮ ‬وفي‮ ‬صحيح سنة المصطفى،‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮. ‬ولقد مرّ الأنبياء بمواقف صعبة لم‮ ‬ينقذهم منها إلا صدق دعائهم،‮ ‬حيث كانت لهم في‮ ‬هذه المواقف أنبل الكلمات وأجمل الألفاظ التي‮ ‬تجسّد حسن التوسل ومناجاة الله وحده،‮ ‬ومن خلال هذه الحلقات نتعرف إلى المواقف التي‮ ‬تعرض لها الأنبياء الكرام وإلى الأدعية التي‮ ‬دعوا بها ونتعلم كيف‮ ‬يكون الدعاء‮.‬

52.205.167.104, 52.205.167.104 CCBot/2.0 (https://commoncrawl.org/faq/)
                                   
السابق
كم عدد عظام الانسان
التالي
سوق الاسهم

اترك تعليقاً